درويش ودمشق .. شعريتان أبديتان
"أشعر بأنني ممتليء برغبة في كتابة قصيدة حبّ دمشقية،
وأعدكم بتحقيق ذلك في أقرب وقت".
كانت هذه هي الجملة الافتتاحية التي رافقت محمود درويش في نهاية شهر أكتوبر
من عام 1997 إلى دمشق، حينما أمطرت السماء رذاذاً خفيفاً حين هبوط طائرته في دمشق.
وفّى الشاعر بوعده وكتب قصيدة أشعرت السوريين كلهم بالزهو والغبطة. أدركوا
من خلالها أنهم مصطفون من بين غيرهم من عشاق الآسر. صحيح أنها ليست المرة الأولى التي
تدخل دمشق حينها عالم درويش الشعري لكن قصيدته " طوق الحمامة الدمشقي" تبدو
مفصلية وحاسمة في علاقة الشاعر بدمشق.
في ديوانه " محاولة رقم 7" ظهرت دمشق لأول مرة في قصائده وكان
هذا في عام 1973.
في قصيدة " كأني أحبك" . مرت المدينة بصورة سريعة :
حين دخلتُ إلى
الجامع الأموي
تساءل أهل دمشق/
من العاشق المغترب؟.
إلى أن
يصيبنا في صميمه حينما قال:
هناك عند نهاية النفق
الطويل محاصرٌ
مثلي سيوقدُ شمعةً، من
جرحه،
لتراه
ينفضُ عن عباءَتهِ
الظلامَ.
وفي نفس الديوان خصّ درويش دمشق بأول قصائده المكرسة لها، قصيدة
" طريق دمشق":
اغتسلي يا دمشق
بلوني/
ليولدَ في الزمن
العربي نهار
أو
وتسألني الفتيات
الصغيرات عن بلدي.
وفي ديوانه : وردٌ أقل" يكرس درويش قصيدته الثانية لها " وفي
الشام شامٌ" :
ما أجمل الشامَ
، لولا جُرُوحي.
وفي
قصيدة أخرى بينّ جمالية العلاقة بينه وبين دمشق حين قال:
فضع نصف قلبكَ في نصف
قلبي،
يا صاحبي
لنصنعَ قلباً صحيحاً
فسيحاً
لها ولي، ولك
ففي الشام شامٌ
إذا شئتَ،
في الشامِ مرآة روحي.
يكتب
محمود دمشق في أيامه السبعة .. ويكون نصيبنا من اليوم السابع من قصيدة " أيام
الحب السبعة" :
أمرُّ باسمك إذ أخلو
إلى نفسي
كما يمر دمشقي بأندلسِ
هنا أضاء لك الليمون
ملح دمي
وها هنا وقعت ريحٌ عن
الفرسِ
لم يكتفِ
درويش من حبه لدمشق.. فقد خزّن أجمل قصائده لها ، فقصيدته " طوق الحمامة
الدمشقي" اختزل نفسه فقال:
في دمشق
أعرّف نفسي على نفسها.
قصيدة
رابعة كتبها الراحل الكبير عن دمشق وكانت من ديوانه" لا تعتذر عمّا
فعلت" حينما قال:
في الشام
أعرفُ من أنا وسط
الزحام.
يَدُلّني
قَمَرٌ تَلأْلأَ في يد اُمرأةٍ... عليَّ.
يدلّني حَجَرٌ تَوَضَّأ في دموع الياسمينة
ثم نام.
يدلّني حَجَرٌ تَوَضَّأ في دموع الياسمينة
ثم نام.
عشق
درويش دمشق كما لم يعشق مدينة من قبل .. وكتب فيها أجمل ما كتب.. سافر مدناً وعاد
إليها عودة العاشق المشتاق... لم يبخلْ بحبه لها .. كتب لها وكتب .. وكان آخر ما
كتب فيها :
في الشام
أمشي نائماً،
وأنام في حضن الغزالةِ،
ماشياً
لا
فرق بين نهارها والليل
إلاّ بعضُ أشغال الحمامِ. هناك أرضُ
الحُلْمِ عاليةٌ، ولكنَّ السماءَ تسيرُ عاريةً
وتَسكُنُ بين أَهل الشام
إلاّ بعضُ أشغال الحمامِ. هناك أرضُ
الحُلْمِ عاليةٌ، ولكنَّ السماءَ تسيرُ عاريةً
وتَسكُنُ بين أَهل الشام
عرف درويش علاقة الياسمين بالدمشقيين .. فكتب
في قصيدته "ليل يفيض من الجسد " :
كيف أشفى من الياسمين
غداً
كيف أشفى من الياسمين
غداً
وهكذا ..
رحل
درويش .. وأخذ معه بياض الياسمين في سفره الطويل وجماله،
وترك لنا
.. أشعاره التي يحيا بها الدمشقيون .. ليوقظوا في أنفسهم " روح درويش ".
فنم يا
حبيبي ، عليك ضفائر شعري
عليك السلام.
في ذكرى وفاة الشاعر محمود درويش 9-8-2013

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق